لقاء حصري مع الفنانة والطاهية الفلسطينية ميرنا بامية

Mirna Bamieh

ترددت قليلاً قبل أن أبدأ بكتابة هذا المقال، لأنني أعتبر الحديث بإنصاف عن الفلسطينية الرائعة ميرنا بامية وعن أعمالها البطولية مسؤولية كبيرة على عاتقي. البطولة كلمة اعتدنا أن نطلقها على رمي الحجارة والوقوف في وجه اسرائيل، ولكن ميرنا هي أيضاً تجسيد للبطولة ولكن بطريقتها الخاصة.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

الوقت تغير وتغيرت معه وسائل التمرد. وقد اختارت ميرنا أن تقاوم العدوان الاسرائيلي من خلال أقرب شيئ لقلوب الفلسطينيين وهي الأرض وما تحمله من خيرات. لتروي من خلال ذلك تاريخ الفلسطينيين وثباتهم ومستقبلهم. فاضطهاد الاسرائليين للفلسطينيين لا يتوقف على الاعتقال والتهجير، بل يتعدى ذلك للاضطهاد النفسي الذي يؤثر فوراً على مئات الآلاف من الفلسطينيين حول العالم، وذلك من خلال تاريخ مطبخهم المشترك. فسياسات محو وانتاج الذاكرة هو أمر شهدته وعاشته ميرنا لسنوات طويلة.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

كونها تعيش في فلسطين فهي ترى التجاهل الكبير لحقوق الإنسان هناك، والجهود الاسرائيلية الدنيئة في جعل الفلسطينيون ينسون أرضهم وما فيها من خيرات. فالشعب الفلسطيني أمة فلاحة، لذلك فإن علاقتهم في الأرض هي علاقة انتماء وعلاقة أي انسان بمصدر رزقه. ومع ذلك فقد تمكنت الجهود الاسرائيلية من محو تاريخ المطبخ الفلسطيني العريق من أذهاننا. هل تسائلت من قبل: لماذا يشعر أي شخص عربي بالإساءة عندما يسمع عبارة “الفلافل والحمص الاسرائيلي”؟ ببساطة لأن غريزة الانسان ترتبط بوسيلة بقائها؛ وهي الطعام. عندما ينسب الاسرائيليين الطعام لأنفسهم، وعندما يفصلون المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض بجدار اسمنتي، بهذه الطريقة يمسحون من عقول الناس المكونات المشتركة بينهم وكيفية استخدامها. فهل تعلمون أنه غير مسموح للفلسطينيين بقطف الزعتر والمرمية والعكوب من أرضهم؟ بحجة أنهم لا يقطفونها بالشكل الصحيح.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

كل ذلك صحيح، ولكنه ثقيل ومُرهِق، وكأنه بقعة من الطين تُثقِل الفلسطينيين بمشاعر العجز واليأس. وبوجه هذه المشاعر تقف ميرنا التي تعيد للناس مشاعر الكسب وتحفر تاريخهم بذاكرتهم من جديد، وتمدهم بالانتماء بطريقتها الخاصة. وكل ذلك من خلال حاجة البشر الأساسية؛ الطعام.

جربي البحث عن اسم “ميرنا بامية” على جوجل وسيظهرها لكِ على أنها فنانة وصانعة أفلام، هي كانت كذلك بالفعل. في البداية كانت هذه طريقتها في التواصل، كشخصية مبدعة اهتمت على الدوام بالتواصل الانساني. ولكنها في إحدى الليالي الحافلة في طوكيو 2016، بعد ساعات طويلة من العمل على جهاز الكمبيوتر بدأت تسأل نفسها إن كان ذلك ما تريده حقاً. حيثُ أرادت شيئاً ملموساً أكثر كوسيلة للتواصل في تلك المرحلة من حياتها، ومن ذلك وُلِدَت مجموعة استضافات فلسطين.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

مجموعة استضافات فلسطين هي عبارة عن مشروع يبحث في ممارسات الطعام الفلسطينية. حيثُ يركز على إعادة الأطباق التقليدية للحياة من خلال القيام بجمعات على العشاء، فلا يوجد مكان نتشارك فيه حكاياتنا أكثر من مائدة العشاء. لذا كانت فكرة المشروع هي جمع الناس على طاولة واحدة لمشاركة قصص عن فلسطين.

تُعرَف ميرنا بتعمقها الشديد بعملية البحث، بحث تلتقي بسكان المدينة وتكتشف مكوناتهم ووصفاتهم وتجارهم، وتشكل انطباعاً شاملاً عن سمات الطهي الفريدة للمدينة لتبتكر بعدها قائمة طعام تعكس ما وجدته. مركزة بشكل أساسي على الوصفات التقليدية المحفوظة في ذاكرة أجدادنا والتي لم ولن تُنسى أبداً. ومن ثم يجتمع حول الطاولة من 40 – 60 شخص ليعيشوا تجربة رائعة في المدينة وينغمسوا في نكهاتها الفريدة. وخلال هذه الرحلة تكون ميرنا دليلهم بحيث تأخذهم من خلال أطباقها في جولة وهمية بين آثار المدينة وشوارعها.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

الوقت الذي تقضيه في التبحُّر في المدينة وناسها وتقاليد الطهي الخاصة بها يسمح لها بنسج طاولة من العجائب. وهذا ما يجعل سفرة العشاء التي تقدمها تُعمِل كل حواسك وليس فقط حاسة التذوق. فاجتماع أشخاص يحملون نفس القضية حول طاولة واحدة يُعطي شعوراً بالانتماء. والقصص التاريخية التي تُروى عن لماذا وكيف ومتى بدأت هذه التقاليد تعتبر غذاء للروح. وطريقة التقديم الفنية هي بهجة للعينين. أما الروائح الزكية فحكاية أخرى تماماً.  ولعل الأهم من ذلك هو أن إحياء المطبخ في المدينة يمس قلب المشاركين وخيالهم ، مضيفًا عنصر المفاجأة بالخلطات الغير متوقعة والمثيرة للاهتمام.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

تشرفت البارحة في حضور جلسة حوارية مع ميرنا بامية باستضافة زينا جردانه. طاقتها الايجابية ملأت المكان، وحبها للطعام الفلسطيني كان معدياً وأملها بمستقبل أفضل للتقاليد الثقافية الفلسطينية بعثت فينا الأمل من جديد. وباختصار فحضورها يبعث البهجة. شعرنا جميعاً بأن نفوسنا أغنى وبأننا أكثر فخر بعدما ذكرتنا بما هو حقنا. ميرنا تعيد النكهة من جديد بطريقة رائعة. ويجب علينا جميعاً أن نكون جزءاً من رحلة الحفاظ على تاريخ المطبخ الفلسطيني العريق.

 

ميرنا بامية
المصدر: Mirnaabamieh.com

أكثر ما يخبرنا عن تأثير ميرنا هو الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في رحلتها. فمنذ أن أُسِّسَّ حساب مجموعة الاستضافات الفلسطينية على الانستجرام أصبح مرجع مهم جداً للكثير من الفلسطينيين حول العالم للوصفات الفلسطينية المنزلية. عن طريق مشاركة معرفتها أصبحت ميرنا مصدراً موثوقاً للحفاظ على إرث أجدادنا. حيثُ يرسل لها الناس وصفاتهم متأكدين أنها في أيدي آمنة وأنها ستعيش على الأقل لعقود أخرى من الزمن.

متحمسة لتجربة السحر الذي تقدمه ميرنا؟ سيضم حفل افتتاح المتحف الفلسطيني في الرابع عشر من تشرين الأول 2019 قائمة طعام من ميرنا نفسها. للمزيد من المعلومات عن تفاصيل شراء التذاكر تواصلي معنا على: info@ciinmagazine.com.